ابن عطية الأندلسي

394

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقوله تعالى : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا معناه قولوا في دعائكم . واختلف الناس في معنى قوله نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا فذهب الطبري وغيره إلى أنه النسيان بمعنى الترك ، أي إن تركنا شيئا من طاعتك وأنه الخطأ المقصود . قالوا وأما النسيان الذي يغلب المرء والخطأ الذي هو عن اجتهاد فهو موضوع عن المرء ، فليس بمأمور في الدعاء بأن لا يؤاخذ به ، وذهب كثير من العلماء إلى أن الدعاء في هذه الآية إنما هو في النسيان الغالب والخطأ غير المقصود ، وهذا هو الصحيح عندي . قال قتادة في تفسير الآية بلغني أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : إن اللّه تجاوز لأمتي عن نسيانها وخطأها ، وقال السدي لما نزلت هذه الآية فقالوها ؛ قال جبريل للنبي صلى اللّه عليه وسلم : قد فعل اللّه ذلك يا محمد . قال القاضي أبو محمد : فظاهر قوليهما ما صححته ، وذلك أن المؤمنين لما كشف عنهم ما خافوه في قوله تعالى : يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [ البقرة : 284 ] أمروا بالدعاء في دفع ذلك النوع الذي ليس من طاقة الإنسان دفعه ، وذلك في النسيان والخطأ ، « والإصر » الثقل وما لا يطاق على أتم أنواعه ، وهذه الآية على هذا القول تقضي بجواز تكليف ما لا يطاق ، ولذلك أمر المؤمنون بالدعاء في أن لا يقع هذا الجائز الصعب . ومذهب الطبري والزجاج أن تكليف ما لا يطاق غير جائز ، فالنسيان عندهم المتروك من الطاعات . والخطأ هو المقصود من العصيان ، والإصر هي العبادات الثقيلة كتكاليف بني إسرائيل من قتل أنفسهم وقرض أبدانهم ومعاقباتهم على معاصيهم في أبدانهم حسبما كان يكتب على أبوابهم وتحميلهم العهود الصعبة . وما لا طاقة للمرء به هو عندهم على تجوز ، كما تقول لا طاقة لي على خصومة فلان ، ولغير ذلك من الأمر تستصعبه وإن كنت في الحقيقة تطيقه أو يكون ذلك ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ من حيث هو مهلك لنا كعذاب جهنم وغيره . وأما لفظة « أخطأ » فقد تجيء في القصد ومع الاجتهاد ، قال قتادة : الإصر العهد والميثاق الغليظ . وقاله مجاهد وابن عباس والسدي وابن جريج والربيع وابن زيد وقال عطاء : الإصر المسخ قردة وخنازير . وقال ابن زيد أيضا : الإصر الذنب لا كفارة فيه ولا توبة منه . وقال مالك رحمه اللّه : الإصر : الأمر الغليظ الصعب . قال القاضي أبو محمد : والإصرة في اللغة الأمر الرابط من ذمام أو قرابة أو عهد ونحوه ، فهذه العبارات كلها تنحو نحوه ، والإصار الحبل الذي تربط به الأحمال ونحوها ، والقد يضم عضدي الرجل يقال أصر يأصر أصرا والإصر بكسر الهمزة من ذلك ، وفي هذا نظر . وروي عن عاصم أنه قرأ أصرا بضم الهمزة ، ولا خلاف أن الذين من قبلنا يراد به اليهود . قال الضحاك : والنصارى ، وأما عبارات المفسرين في قوله : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ فقال قتادة لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا . وقال الضحاك : لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق ، وقال نحوه ابن زيد ، وقال ابن جريج : لا تمسخنا قردة وخنازير ، وقال سلام بن سابور : الذي لا طاقة لنا به الغلمة ، وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء وعن مكحول وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه : وأعوذ بك من غلمة ليس لها عدة ، وقال السدي : هو التغليظ والأغلال التي كانت على بني إسرائيل من التحريم ، ثم قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله : وَاعْفُ عَنَّا